الشيخ ناصر مكارم الشيرازي

76

الأمثل في تفسير كتاب الله المنزل

النظر نجدهما ليسا من لون واحد ، مع أنهما من نفس الأبوين ، وتم انعقاد نطفتيهما في وقت واحد ، وتغذيا من غذاء واحد . ناهيك عن التفاوت والاختلاف الكامل في بواطنهم عد أشكالهم الظاهرية ، وفي خلقهم ورغباتهم وخصوصيات شخصياتهم واستعداداتهم وذوقهم ، بحيث يتكون بذلك كيان مستقل منسجم بكل احتياجاته الخاصة . في عالم الكائنات الحية أيضا يوجد آلاف الآلاف من أنواع الحشرات ، الطيور ، الزواحف ، الحيوانات البحرية ، الوحوش الصحراوية ، بكل خصائصها النوعية وعجائب خلقتها . كدلالة على قدرة وعظمة وعلم خالقها . حينما نضع قدمنا في حديقة كبيرة من حدائق الحيوان فسوف نصاب بالذهول والحيرة والدهشة بحيث أننا - بلا وعي منا - نتوجه بالشكر والثناء لله المبدع لكل هذا الفن الخلاب على صفحة الوجود . مع أننا لا نرى أمامنا في تلك الحديقة إلا جزء من آلاف الأجزاء من الموجودات الحية في العالم . وبعد عرض تلك الأدلة التوحيدية يقول تعالى في الختام جامعا : نعم إن الأمر كذلك كذلك ( 1 ) . ولأن إمكانية الانتفاع من آيات الخلق العظيمة هذه تتوفر أكثر عند العباد العقلاء والمفكرين يقول تعالى في آخر الآية : إنما يخشى الله من عباده العلماء . نعم فالعلماء من بين جميع العباد ، هم الذين نالوا المقام الرفيع من الخشية " وهي الخوف من المسؤولية متوافق مع إدراك لعظمة الله سبحانه " ، حالة ( الخشية ) هذه تولدت نتيجة سبر أغوار الآيات الآفاقية والأنفسية ، والتعرف على حقيقة علم وقدرة الله وغاية الخلق .

--> 1 - حول ما هو إعراب " كذلك " أعطيت احتمالات عديدة ، بعضهم قالوا بأنها جملة مستقلة تقديرها ( الأمر كذلك ) ونحن إنتخبنا في تفسيرنا هذا المعنى لكونه الأنسب ، ولكن البعض ربطوها بالجملة السابقة فقالوا : إن المعنى هو كما أن الثمرات وجدد الجبال مختلف ألوانها كذلك الناس والدواب والأنعام ، وقد احتمل أيضا أن تكون الجملة مرتبطة بما بعدها والمعنى : كذلك تختلف أحوال العباد في الخشية .